الخطيب الشربيني
535
مغني المحتاج
رضيا ( والله أعلم ) لأنه بيع دين بدين ، وهو منهي عنه . ورد بأن النهي إنما هو في بيع الدين لغير من هو عليه ، وهذا ليس كذلك مع أن بيع الدين لغير من هو عليه صحيح كما مر عن الروضة . تنبيه : ظاهر كلام المصنف إجراء التقاص في النقدين وغيرهما من المثليات ، ولكن المذهب في أصل الروضة أن المثليات غير النقدين كالطعام والحبوب لا يقع التقاص فيها ، وعلله الشيخ أبو حامد بأن ما عدا الأثمان تطلب فيه المعاينة اه . والوجه كما قال شيخنا تقيده في غيرهما من سائر المثليات بما إذا لم يحصل به عتق ، ففي الام لو أحرق السيد لمكاتبه مائة صاع حنطة مثل حنطته والحنطة على المكاتب حالة كان تقاصا وإن كره سيده . وظاهر كلام المصنف إجراء التقاص سواء اتفق الدينان حلولا وأجلا أم لا ، ولكن الذي رجحه في أصل الروضة أنهما لو تراضيا بجعل الحال تقاصا عن المؤجل لم يجزه كما في الحوالة ، والوجه تقييده كما قال شيخنا بما إذا لم يحصل به عتق ، ففي الام : لو جنى السيد على مكاتبه وجب مثل النجوم وكانت مؤجلة ولم يكن تقاصا إلا إن شاء المكاتب دون سيده اه . وإذا جاز ذلك برضا المكاتب وحده فبرضاه مع السيد أولى . ولو كانا مؤجلين بأجل واحد فوجهان ، أرجحهما عند الإمام التقاص ، وعند البغوي المنع ، وهو المعتمد كما اقتضاه كلام الشرح الصغير ، وجزم به القاضي لانتفاء المطالبة ، ولان أجل أحدهما قد يحل بموته قبل الآخر ، فلا يجوز ذلك إلا بالتراضي . وهذا خاص بغير ما يؤدي إلى العتق ، أما ما يؤدي إليه فيصح كما يؤخذ مما مر . والحاصل أن التقلص إنما يكون في النقدين فقط ، بشرط أن يتحدا جنسا وصفة من صحة وتكسر وحلول وأجل ، إلا إذا كان يؤدي إلى العتق . ويشترط أيضا كما قال الأسنوي أن يكون الدينان مستقرين ، فإن كان سلمين فلا تقاص وإن تراضيا لامتناع الاعتياض عنهما ، قاله القاضي والماوردي ، ونص عليه الشافعي . وإذا منعنا التقاص في الدينين وهما نقدان من جنسين كدراهم ودنانير فالطريق في وصول كل منهما إلى حقه من غير أخذ من الجانبين أن يأخذا أحدهما ما على الآخر ، ثم يجعل المأخوذ إن شاء عوضا عما عليه ويرده إليه ، لأن دفع العوض عن الدراهم والدنانير جائز ، ولا حاجة حينئذ إلى قبض العوض الآخر . أو هما عرضان من جنسين فليقبض كل منهما ما على الآخر ، فإن قبض واحد منهما لم يجز رده عوضا عن الآخر ، لأنه بيع عوض قبل القبض ، وهو ممتنع إلا إن استحق ذلك العوض بقرض أو إتلاف . وإن كان أحدهما عرضا والآخر نقدا وقبض العوض مستحقه جاز له رده عوضا عن النقد المستحق عليه إن لم يكن دين سلم ، لا إن قبض النقد مستحقه ، فلا يجوز له رده عوضا عن العوض المستحق عليه إلا إن استحق العوض في قرض ونحوه من الاتلاف ، أو كان ثمنا . وإذا امتنع كل من المتداينين من البداءة بالتسليم لما عليه حبسا حتى يسلما . قال الأذرعي : وقضيته أن السيد والمكاتب يحبسان إذا امتنعا من التسليم ، وهو متأيد بقولهم : إن الكتابة جائزة من جهة العبد ، وله ترك الأداء وإن قدر عليه . وأجيب بأنه إنما يتأيد بما ذكر لو لم يمتنعا من تعجيز المكاتب ، أما لو امتنعا منه مع امتناعهما مما مر فلا ، وعليه يحمل كلامهم . ( فإن فسخها ) أي الفاسدة ( السيد فليشهد ) بالفسخ احتياطا لا وجوبا كما قاله الماوردي خوف التجاحد والنزاع . تنبيه : تخصيص السيد بذلك يفهم أن ذلك لا يجزئ في فسخ المكاتب ، وليس مرادا ، بل هو كالسيد في ذلك كما قاله الزركشي . ( فلو أدى ) العبد فيها ( المال ، فقال السيد ) بعد ذلك : ( كنت فسخت ) الكتابة قبل أن يؤدي ، ( فأنكره ) أي أنكر العبد أصل الفسخ أو كونه قبل الأداء ، ( صدق العبد ) المنكر ( بيمينه ) لأن الأصل عدم الفسخ ، وعلى السيد البينة . ( والأصح بطلان ) الكتابة ( الفاسدة بجنون السيد وإغمائه ، والحجر عليه ) بسفه . أما الفلس فلا تبطل به الفاسد ، بل تباع في الدين ، فإذا بيع بطلت . و ( لا ) تبطل بجنون ( العبد ) وإغمائه لأن الحظ في الكتابة له لا للسيد ولأنها تبرع فيؤثر فيه اختلاف عقل السيد دون عقل العبد . والثاني : بطلانها بجنونهما